السيد محمد حسين فضل الله

70

من وحي القرآن

العدوّ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يواجهون الموقف وكأنهم في شبه غشية ، وهي الحالة التي تعرض للإنسان عندما يموت ، فيشخص ببصره دون أن تطرف عينه أو يهتزّ جفناه أو يتحرك جسمه ، وذلك بسبب الخوف الضاغط على قلوبهم ، حتى كأنهم يموتون قبل أن يموتوا ، فَأَوْلى لَهُمْ أي من الحري والطبيعي أن يكونوا في نظرتهم الخائفة إليك كما لو كانوا في حالة الاحتضار التي تسبق الموت ، وعن الأصمعي أن كلمة « أولى لك » كلمة تهديد معناه « أولى لك وليّك وقارنك ما تكره » « 1 » . طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فطبيعة الالتزام الذي التزموه أمامنا - أي أمام اللّه - بإعلانهم كلمة الإيمان ، هو طاعة تحدّد الموقف الحاسم ، وقول معروف يؤكد الالتزام ، لأن الإيمان عهد بين اللّه وبين عباده أن يطيعوه ولا يعصوه ، ويلتزموا كلمته دون أن ينحرفوا عنها ، فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ واشتد وتحوّل إلى حالة جدّية لا تحتمل الجدل ولا الهزل ، فلا بد من أن يصدقوا اللّه عهده ، لأن ذلك مفروض من المؤمنين الذين يحترمون كلمتهم . ولكنهم لم يفعلوا ، مما جعلهم في موقع بعيد عن الحق والحكمة ، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنه يقرّبهم إليه ، ويحقق لهم النتائج الكبيرة على مستوى المصير . ولكنهم لم يصدقوا ولم يلتزموا ، بل ضعفوا وسقطوا في امتحان الإيمان ، مما يوحي بأنهم لن يكونوا في مستوى المسؤولية الإيمانية المنفتحة على الخير المتحرك بالصدق في حياة الناس . فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ وتحمّلتم الموقع المميز في حياة الأمة الذي يمكّنكم من السيطرة على الناس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ في ما تأخذون به من الخطوط المنحرفة ، من الخيانة للعهد ، والابتعاد عن الصدق ، والانفتاح على الشر ، وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ لأن العلاقة بالأرحام ، كما الإصلاح في الأرض ، هي مسألة صدق في الكلمة والعلاقة والموقف ، فإذا لم تعيشوا ذلك من ناحية

--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 133 .